السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
449
مفاتيح الأصول
لأن إخباره حق وهذا الاستدلال ضعيف لأنه لا يلزم من كونه صحيحا وقوع الكذب في الماضي لجواز وقوعه في المستقبل نعم لو قال بعض ما ينسب بصيغة المضارع تم المدعى الثاني أن من الأخبار المنسوبة إليه ما هو معارض للدليل العقلي بحيث لا يقبل التأويل فيعلم بذلك امتناع صدوره عنه الثاني قد أشار في النهاية إلى وجه صدوره من السلف والخلف فقال الدّواعي إلى الكذب ما من جهة السّلف وهم منزّهون عن تعمد الكذب وإنما يقع لوجوه الأول أن يكون الراوي يرى نقل الخبر بالمعنى فيبدّل لفظا بآخر بتوهم أنه بمنزلته وهو لا يطابقه الثاني ربما نسي لفظا لأنه لا يكون عادتهم الكتابة لما يسمعونه فيبدّله بغيره وربما نسي زيادة يصحّ بها الخبر الثالث ربما روى عن الواسطة ونسي ذلك فأسنده إلى الرسول صلى الله عليه وآله توهما أنه سمعه منه لكثرة صحبته له ولهذا كان صلى الله عليه وآله يستأنف الحديث إذا دخل عليه شخص ليكمل له الرواية كما روي أنه صلى الله عليه وآله قال الشؤم في ثلاثة المرأة والدار والفرس فقالت عائشة إنما قال ذلك حكاية عن غيره الرابع ربما خرج الحديث على سبب وهو مقصور عليه ويصحّ معناه فيجب روايته مع السبب فإن حذف سببه أوهم الخطاء كما روي أنه صلى الله عليه وآله قال التاجر فاجر فقالت عائشة إنما قاله في تاجر دلَّس الخامس روي أن أبا هريرة كان يروي أخبار النّبي صلى الله عليه وآله وكعب كان يروي أخبار اليهود ويشتبه على السّامعين فيروي بعضهم ما سمعه من كعب عن أبي هريرة وأما من جهة الخلف بوجوه الأوّل الملاحدة وضعوا أباطيل نسبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله ليتنفر الناس عنه صلى الله عليه وآله كما روي ذلك عن عبد الكريم بن أبي العوجاء الثاني ربما يكون الراوي يجوز الكذب المؤدي إلى إصلاح الأمة فإن من مذهب الكرامية وضع الأخبار في المذهب إذا صحّ عندهم لأنه سبب ترويج الحق الثالث الرعية كما وضع أخبار في ابتداء دولة بني العباس أخبار في النّص على إمامة العباس وولده قال فخر الدين الرّازي ومن ذلك أن الإمامية يستندون إلى الرسول صلى الله عليه وآله كلَّما صح عندهم من بعض أمتهم قالوا لأن الصادق عليه السلام قال حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فلا حرج عليكم إذا سمعتم مني حديثا أن تقولوا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وليس بجيّد أما أولا فلأنه معصوم لا يخبر إلا بالحق فكما يجوز لنا إسناد ما يخبرنا به رسول رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الله تعالى كذا هنا وأما ثانيا فلأن الراوي إذا قال إذا حدثت حديثا فإنما أرويه عن فلان ثم حدث جاز أن يروي عمن أسند إليه فكيف إذا قال الإمام المعصوم حديثي حديث أبي وأشار في التهذيب ونهاية السئول إلى بعض ما ذكره ففي الأوّل ربما يقع من السّلف تعمّدا بل ربما نقل الخبر بالمعنى فيدلّ بما توهّمه مطابقه أو نسي البعض أو المسند إليه فتوهم أنه صلى الله عليه وآله أو أهمل السّبب لقوله صلى الله عليه وآله التاجر فاجر فإنه ورد في من دلس وفي الثاني سبب وقوع الكذب أمور الأول نسيان الراوي بأن سمع خبرا وطال عهده به فنسي فزاد أو نقص أو عزاه إلى النبي صلى الله عليه وآله وليس من كلامه الثاني غلطه بأن أراد أن ينطق بلفظ فسبق لسانه إلى غيره ولم يشعر أو كان ممن يرى نقل الخبر بالمعنى فأبدل مكان اللفظ المسموع لفظا آخر لا يطابقه ظنا أنه يطابقه الثالث افتراء الملاحدة أي الزنادقة وغيرهم من الكفار فإنهم وضعوا أحاديث مخالفة لمقتضى العقل ونسبوها إلى الرّسول صلى الله عليه وآله تنفيرا للعقلاء عن شريعته انتهى وأشار إلى ذلك في المنهاج أيضا الثالث قال في الإحكام أما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه فمنه ما يظن صدقه ككثير من الأخبار الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور بالعدالة والصدق ومنه ما يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب بل مشكوك فيه كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب فإن قيل كلّ خبر لم يقم الدّليل على صدقه قطعا فهو كاذب لأنه لو كان صادقا لما أخلى اللَّه تعالى عن نصب دليل يدل عليه ولهذا كان المتحدي بالنبوة إذا لم يظهر على يده معجزة يدل على صدقه فإنا نقطع بكذبه قلنا جوابه من ثلاثة أوجه الأول لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدلّ على صدقه بتقدير أن يكون صادقا في نفس الأمر ومن أوجب ذلك إنما بناه على وجوب رعاية الصّلاح أو الأصلح وقد أبطلناه في علم الكلام الثاني أنه مقابل بمثله وهو أن يقال ولو كان كاذبا لما أخلى اللَّه تعالى عن نصب دليل يدل على كذبه الثالث أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كلّ شاهد لم يقم الدليل القاطع على صدقه وكفر كلّ مسلم إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وهو محال وأما المتحدي بالرسالة إذا لم يظهر المعجزة الدالة على صدقه إنما قطعنا بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل وذلك لأن الرّسالة عن اللَّه تعالى على خلاف العادة والعادة يقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير دليل ولا كذلك الصدق في الأخبار المحسنة لأنه غير مخالف للعادة انتهى تمت